الأربعاء، 17 أبريل 2013

ويا سلوة الأيام موعدك الحشر


ويا سلوة الأيام موعدك الحشر

(مادة مرشحة للفوز بمسابقة كاتب الألوكة الثانية)


عندما دخَل ابن أخيها الصغير هرَعت إليه تضمُّه إلى صدرها، ودموعها عادَت تغسل قلبها وأيامها من وَجَعٍ لا تقوى على احتماله، تمنَّت أُمنيتها المستحيلة أنْ لو كانت ابنتها بين ظهرانيها، ولكن هَيْهَات، تضم الصغير أكثر إلى صدرها وهي تحاول الفرار من ذكريات أقضَّت مَضجعها، تسوَّر الجَزع محراب الصبر، وصار الأسى واليأس أصدقاءَ الثواني والدقائق، توفي والدها في حادث أليم ترَكها طريحة الهمِّ والحزن، وما أفاقَت إلاَّ على نار الخلاف التي اشْتَعَلت بين رفيق الدَّرب وأشقَّائها الذين راغوا إليها يتخافتون، وأقْسموا ليصرمنَّ عُرَى الأُخوَّة معها إنْ لَم تتنازلْ عن حقِّها في الميراث؛ حتى لا يذهب إلى زوجها الذي أعدُّوه غريبًا، أحْزَنها أن رضوا قبل سنوات قلائل أن تَبني معه بيتًا في الإسلام، وها هم الآن ينقضون عهد الرَّحم بينهم، لَم يَقبل زوجها أن تتركَ حقَّها، وعاهَدهم سرًّا وعلانية ألاَّ يقربَ لها مالاً، ولكنهم أبَوا إلاَّ هَدْمَ بيتها، فإذا هي في الحياة يتيمة مسرَّحة، تَحمل في بطنها أوَّل ثمرة حبٍّ، كانت تقول لنفسها وهي تحاول ما استطاعَت رأْبَ الصَّدع: "أخشى أن يأتي ما في بطني، فيكون محرَّرًا للحزن والشقاء".

ما إن فاجَأها المخاض إلى المشفى وأنْجَبت، حتى انتبذَ أشقَّاؤها بصغيرتها مكانًا قصيًّا، فلم تقرَّ بها عينًا لعشر سنين، كانت تُمنِّي النفس بالآمال تَرقبها، فإذا بالنجوم تدنو وصغيرتها عن نظرها أبعد، كان طليقها قد حَمَل الصغيرة وسافر بعيدًا، وبَقِيتْ هي تتنقَّل بين بيوت أشقَّائها تَجمع المصاعب في حقائب الصبر، وتستعين بالواحد القهَّار، وهي تدعو كلما خرَّت ساجدة: "اللهمَّ يا كاشف الغمِّ، ويا فارج الهمِّ، فرِّج همِّي ويَسِّر أمري".

وذات مساء كان إخوتها يَلتفون حولها وحولهم أكبادهم التي تمشي على الأرض، يمرحون ويلعبون، فُغِر فاهُ الجُرح الذي لَم يَندمل، فقامت تصيح فيهم: "أريد ابنتي، أعيدوا إليّ ابنتي، ماذا بَقِي وقد هُدِمَ بيت، وكُسِرَ قلبٌ، وتَشَتَّتَ شَمْلُ أسرة بنَتْ بيتها على التقوى؟!"، قالت ذلك وأخذت تبكي.

بعد أيام طرَق أخوها الأصغر - الذي كانت تقضي فترة سكناها الشهرية معه، ثم تتنقل بين بيوت إخوتها - باب غُرفتها، ودخَل مُقَبِّلاً رأسها ويديها، وطالبًا منها السماح، قائلاً: "تعلمين أنَّ أشِقَّاءَك حرَّموا فتْحَ موضوعكِ منذ طلاقكِ، ويعلم الله أنَّ حالكِ لا يُرضيني، وكم حاوَلت معهم، ولكنهم يحبون التراث حبًّا جمًّا، ومع ذلك يا أُختاه لن أسكتَ أكثر من هذا، سأسافر إلى زوجكِ السابق وأحضر ابنتكِ، وأحاول معه لعلَّه يَقبل أن تعود بينكم حياةٌ تَملؤونها سعادة"، فَرِحت به، بكل كلمة قالها، بكل حرفٍ نَثَر التفاؤل في حالِك أيَّامها، سجَدتْ شكرًا، ثم انكبَّت على أخيها تقبِّل رأسه وقَدَميه والفرح يطوِّق جِيدها بكلِّ ألوان البهجة.

وفي اليوم الموعود للُقْيَا ابنتها، أعدَّت للقاء ألفَ ألف أنشودة فرحٍ، وألف ألف ابتهال شكرٍ رفَعته للواحد القهَّار، في ذلك اليوم ذهبَت إلى السوق، فاشْتَرت من الثياب أحلاها، وانطلَقت إلى محل الألعاب وانتَقَت أغلاها، وهَرَعت إلى بائع الحلوى واشْتَرت حتى ملَّت، واسْتَعَدَّت لاستقبال ابنتها التي أصبَحت مع خالها في طريق سفر إليها بحفلة صغيرة، لكنَّ النهار انقَضى وتَبِعهُ الليل، وشمس أخيها وابنتها لَم تُشرق بعدُ.

في اليوم التالي انقَلب ترقُّب الفرحة إلى توجُّس وخيفة، والابتسامة ارْتَدَت ثوب الشحوب، والصمْت غطى على كلمات الفرح التي كانت تَنثرها.

دخَل شقيقها الأكبر فنطَق، وكم تمنَّت لو كان الموت أسبقَ لرُوحها من كلماته لأُذنها، عرَفت أنَّ الراحلين لا يعودون، وأنَّ الموت سلَب أرواح أحبابها تحت عجلات سائق متهوِّرٍ.

عَلَّقت المشانق لأحلامها مع ابنتها، فها هي تُغادر ولَم تَفرح بضمِّها وشمِّها، لَم تسمع منها "ماما"، ولَم تأخذ بيدها إلى أوَّل طريق للعلم، لَم تُمَشِّط لها شعرها، ولَم تَمسح جَبينها، ولَم تقلِّم حتى أظفارها، وها هو الأخ الحنون غادَر هو الآخر، تاركًا لها أبناءَه الصغار يذوقون مرارة اليُتم.

مَسَح الصغير دموعَها وسألها بحزن: "لماذا تَبكين؟!"، لَم تُجبه، بل ضمَّتُه أكثر وأكثر.

تمَّـت.

الأحد، 24 مارس 2013

قراءة في قصة الألم لأنطون تشيكوف


قراءة في قصة الألم لأنطون تشيكوف

القصة:
الأَلــَم قصة قصيرة للأديب أنطون تشيكوف 


عُرف غريغوري بتروف ولسنوات طويلة ببراعته الفائقة في حرفة الخراطة ، لكنَّه في نفس الوقت كان الأكثر حمقًا وسذاجة في إقليم (غالتشينيسكوي)، فلكي ينقل زوجته المريضة إلى المستشفى ، كان عليه أن يقود الزلاجة لمسافة عشرين ميل في جو شتائي عاصف ، عبر طريق شديدة الوعورة .. ولم تكن تلك بالمهمة اليسيرة حتى بالنسبة لسائق البريد الحكومي..كانت الرِّياح القارصة تضرب في وجهه مباشرة ، وسحب الثلج تلتف في دوامات حوله في كل اتجاه ، حتى أن المرء لا يدري إن كان هذا الثلج يتساقط من السماء أم يتصاعد من الأرض ، بينما الرؤية معدومة تمامًا لكثافة الضباب الثلجي ، فلم يكن يرى شيئًا من الحقول والغابات وأعمدة التلغراف .. وعندما كانت تضربه ريح قوية مفاجئة ، كان يصاب بالعمى التام ، فلا يعود يبصر حتى لجام الحصان ، ذلك الحيوان البائس الذي كان يزحف ببطء وهو يجرُّ قدميه في الثلج بوهن شديد .. وكان الخرَّاط قلقًا متوترًا ومتعجلا لا يكاد يستقرُّ في مقعده وهو يسوط ظهر الحصان .

كان غريغوري يغمغم طول الوقت متحدثًا إلى زوجته . 

- لا تبكي يا ماتريونا .. قليل من الصبر يا عزيزتي .. سنصل المستشفى وعندها كلُّ شيء سوف يكون على ما يرام .. سيعطيك بافل ايفانيتش بضع قطرات ، أو سأطلب منه أن يعمل لك الحجامة ، أو ربما يتكرَّم ويرضى أن يدلك جسدك بالكحول .. سيبذل كل ما في وسعه دون شك .. نعم سيصرخ وينفعل لكنه في النهاية يبذل جهده .. إنه رجل مهذب ولطيف .. فليعطه الله الصحة .. حالما نصل هناك ويرانا سيندفع من غرفته كالسَّهم ويبدأ بإطلاق السباب والشتائم .. وسوف يصرخ : كيف ؟ لماذا هكذا ؟ لماذا لم تأتوا في الوقت المناسب ؟ أنا لست كلبًا كي أبقى عالقًا هنا في انتظار حضراتكم طوال اليوم .. لماذا لم تأتوا في الصباح ؟ هيا اخرجوا ، لا لن أستقبلكم .. تعالوا غدًا .. فأرد عليه قائلا : يا حضرة الطبيب المبجل بافل إيفانيتش ، نعم يمكنك أن تسب وتلعن وتشتم .. وليأخذك الطاعون ..
أيها الشيطان ..

ساط الخرَّاط ظهر الحصان ، ومن دون أن ينظر إلى المرأة العجوز الراقدة في العربة خلفه واصل حديثه مع نفسه : 

- يا حضرة الطبيب المبجَّل ، أقسم بالله ، ولن أقول إلا الصدق ، و هو أنني انطلقت قبل طلوع الفجر ، ولكن كيف يمكنني أن أكون عندك في الوقت المناسب وقد أرسل الرب هذه العاصفة الثلجية ؟ تلطَّف وانظر بنفسك .. إنَّ أفضل الجياد لن تتمكن من السير في جوٍ كهذا ، وحصاني هذا الكائن البائس التعيس كما ترى بنفسك ليس حصانًا على الإطلاق. عندها سيقطب بافل ايفانيتش حاجبيه ويصرخ : نحن نعرفكم ، أنتم دائمًا بارعون في اختلاق الأعذار ، وعلى الأخص أنت يا غريشكا .. فأنا أعرفك حق المعرفة ، وأقسم بأنك توقفت في نصف دزينة من الحانات قبل أن تأتي عندي. لكني سأقول له : أيها المحترم ، هل أنا كافر أم مجرم حتى أتنقَّل بين الحانات بينما زوجتي المسكينة تلفظ أنفاسها الأخيرة ؟ لعنة الله على الحانات وأصحابها وليأخذهم الطاعون جميعا .. 

سيأمر بافل ايفانيتش عندها بنقلك إلى داخل المستشفى ، فأركع عند قدميه .. : بافل ايفانيتش ، أيها المحترم ، نشكرك من صميم قلوبنا ، وأرجو أن تسامحنا على حماقاتنا وسلوكنا الأرعن ، وألا تكون قاسيًا معنا نحن الفلاحون .. نعم نحن نستحق منك لا الشتيمة بل الرَّفس ، وقد كنَّا سببًا في خروجك وتلويث قدميك في الثلج .. سينظر بافل ايفانيتش نحوي كأنَّه يريد أن يضربني وسيقول : ألا يجدر بك أيها الأحمق أن تشفق على هذه المسكينة وترعاها بدلا من أن تسكر وتأتي لتركع عند قدمي ؟ والله أنت تستحق الجلد .. نعم ، نعم .. أنت على حق في ذلك .. أنا أستحق الجلد يا بافل ايفانيتش ، فلتصب السماء لعناتها على 
رأسي ، ثم ما الضَّير لو ركعت عند قدميك ، فأنت أبونا و وليّ نعمتنا ، 

ويحق لك يا سيدي أن تبصق في وجهي لو بدر مني ما 
يضايقك ، وأقسم بالله على ذلك .. سأفعل كلَّ ما تريده وتأمرني به .. إذا استرجعت زوجتي العزيزة ماتريونا صحتها .. وإذا أردتَ أصنع لك علبة سجائر فاخرة من أفضل أنواع الخشب ، كراتٍ للعبة الكروكيت ، أو أروع قناني خشبية للعبة البولنج .. ولن آخذ منك قرشا واحدًا .. في موسكو تكلف علبة السجائر أربع روبلات ، لكني سأصنعها لك دون مقابل. عندها سيضحك الطبيب ويقول: حسنًا ، حسنًا .. يبدو أنَّك سكران حتى الثمالة .. كما ترين يا عزيزتي فأنا أعرف كيف أتعامل مع أبناء الطبقة العليا .. ليس هنالك من سيد يستعصي علي .. فقط أدعو من الله ألا أفقد الطريق. انظري كم عنيفة هي الريح .. لا أكاد أفتح عيني من شدة اندفاع الثلج .

ولم يتوقَّف الخراط عن حديثه المتواصل مع نفسه ، في محاولة منه على ما يبدو للتخفيف من ضغط المشاعر الحادَّة عليه .. كانت الكلمات كثيرة على لسانه ، وكذلك الأفكار والأسئلة في رأسه .. جاءه الحزن مفاجئًا ، دون توقُّع 
أو انتظار، وعليه الآن أن يتخلَّص منه .. لقد عاش حياته في سكينة وسلام دون أن يعرف للحزن أو للبهجة معنى ، وفجأة ، دون سابق إنذار ، جاءه الألم ليعشش بين تلافيف قلبه ، فوجد السكِّير المتسكِّع نفسه في موقع المسئول ، مثقلا بالهموم ، ويصارع الطبيعة . 

وراح غريغوري يتذكَّر كيف ابتدأت المشكلة ليلة أمس عندما عاد إلى البيت سكرانًا بعض الشيء ، وكالعادة انطلق يشتم ويهدِّد بقبضتيه ، فنظرت إليه زوجته كما لم تنظر إليه من قبل .. عادة ما تشف نظرات عينيها عن الذلِّ والاستكانة الشبيهة بنظرات كلب أشبع ضربا .. لكنها هذه المرة نظرت إليه بتجهُّم 
وثبات ، كما ينظر القديسون في الصور المقدَّسة أو كما ينظر الموتى .. من نظرة الشرّ الغريبة تلك بدأت المشكلة .. وفي حالة من الذهول والاستغراب استعار حصانًا من أحد الجيران كي ينقل زوجته العجوز إلى المستشفى لعله باستخدام المساحيق والمراهم ، يستطيع بافل ايفانيتش أن يعيد التعبير الطَّبيعي لنظرة عينيها .

ويستمر الخرَّاط في حديثه مع نفسه فيقول : 

- حسنًا ، اسمعيني يا ماتريونا ، لو سألك بافل ايفانيتش فيما إذا كنت قد ضربتك ، يجب أن تنفي ذلك وسوف لن أضربك بعد اليوم ، أقسم على ذلك .. وهل ضربتك يومًا لأني أكرهك ؟ لا ، إطلاقًا .. إنما دومًا أضربك وأنا فاقد لوعيي .. أنني حقًّا أشعر بالأسف من أجلك .. لا أظنُّ أنَّ الآخرين سيبالون مثلي ، فها أنت ترين ، إنني أفعل المستحيل في هذا الجوِّ الثلجيِّ العاصف كي أصل بك إلى المستشفى .. فلتتحقَّق مشيئتك أيها الرب ، وإن شاء الله لن نخرج عن الطريق .. هل يؤلمك جنبك عزيزتي ؟ ألهذا أنت لا تتكلمين ؟ إني أسألك ، هل يؤلمك جنبك؟

لاحظ خلال نظرة خاطفة إلى العجوز بأن الثلج المتجمِّع على وجهها 
لا يذوب .. والغريب أن الوجه نفسه بدا مسحوبًا، شديد الشُّحوب، شمعيًّا، جهمًا ورصينًا. صرخ قائلاُ :
- أنت حمقاء ، حمقاء .. أقول لك ما في ضميري أمام الله ، لكنَّك مع ذلك تصرِّين على ..حسنًا ، أنت حمقاء ، وأنا قد أركب رأسي .. ولا آخذك إلى بافل ايفانيتش . 

أرخى اللجام بين يديه وبدأ يفكر .. لم يكن في مقدوره أن يستدير تمامًا لينظر إلى زوجته .. كان خائفًا .. وكان يخشى أيضا أن يكرِّر أسئلته عليها دون أن يحصل على جواب .. أخيرًا ، وليحسم الأمر ، ومن دون أن يلتفت إليها رفع يده وتحسسها .. كانت باردة ، وعندما تركها سقطت كأنها قطعة خشب .. ندت منه صرخة .

- إذن فهي ميتة ، يا للمصيبة .. 
لم يكن آسفًا قدر انزعاجه .. وفكَّر كيف أنَّ الأشياء تمر سريعة في هذا العالم .. لم تكن المشكلة قد ابتدأت وإذا بها تنتهي بكارثة .. لم يسنح له الوقت كي يعيش معها ويكشف لها عن أسفه قبل موتها. عاش معها أربعين عامًا لكنها مرَّت في ضباب وعتمة مطبقة .. لم يكن هنالك من مجال للأحاسيس الجميلة وسط السُّكر والعربدة والشجار المتواصل والفقر المدقع .. ولكي تغيظه فقد ماتت في اللحظة التي بدأ يشعر فيها بالأسف عليها ، وبأنَّه لا يستطيع العيش من دونها وأنه كان قاسيًا معها وقد أساء لها كثيرًا .
قال لنفسه متذكِّرًا : 
- كنت أبعثها كي تدور في القرية تستجدي الخبز .. كان يمكن أن يطول العمر بها لعشر سنوات أخرى .. المصيبة أنها ماتت وهي تعتقد بأني ذلك الإنسان .. 
يا إلهي .. ولكن .. إلى أين أنا ذاهب الآن ؟ ما عاد بي حاجة إلى الطبيب ، 
ما أحتاجه الآن قبر كي أدفنها فيه .

استدار بالزلاّجة وهو يلهب ظهر الحصان بسوطه ، وقد ازداد الجو سوءًا حتى انعدمت الرؤية تمامًا.. ومن حين لآخر كانت تضرب وجهه ويديه أغصان الأشجار وتخطف من أمام عينيه أجسام سوداء .
- لو أعيش معها مرة أخرى . 
وتذكَّر بأن ماتريونا قبل أربعين عامًا كانت مليحة الوجه مرحة الروح ، وهي من عائلة ميسورة الحال ، وقد رضي أهلها أن يزوِّجوها له بعدما شاهدوا وعرفوا مدى براعته في مهنة الخراطة .. كانت كلُّ الأسباب لحياة سعيدة متوفرة لهما ، لكنَّ المشكلة أنه في ليلة عرسه شرب حتى الثمالة ومن يومها وهو سكران طول الوقت ولم يستيقظ أبدًا .. نعم فهو يتذكَّر عرسه ، ولكنه لا يتذكَّر شيئًا مما حدث بعد ذلك وطوال حياته ، باستثناء أنه كان يسكر ويضطجع عند الموقد ويتشاجر. هكذا ضاعت منه أربعون سنة .

بدأت الغيوم الثلجيَّة البيضاء تتحوَّل تدريجيًّا إلى اللَّون الرَّمادي مما ينبئ عن قرب الغسق .. عاد يسأل نفسه : 
- إلى أين أنا ذاهب ؟ مطلوب مني أن أفكر بدفن الجثة .. بينما أنا الآن في طريقي إلى المستشفى ..كأنَّني فقدت عقلي ..
واستدار بزلاجته ثانية .. كان الحصان يشخِّر وراح يتعثَّر في خببه ، فعاد الخراط يجلده من جديد .. وكان يسمع صوت ارتطام خلفه ، ومن دون أن يلتفت كان يعرف بأنه صادر عن رأس العجوز وهو يضرب بحافة المقعد .
ازداد الثَّلج عتمة ، واشتدت برودة الريح .
- لو أعيش معها مرة أخرى ، سأشتري مخرطة جديدة ، وأشتغل .. وأجلب لها الكثير من النقود . 
أفلتت يداه العنان .. بحث عنه .. حاول أن يلتقطه ، فلم يستطع .. قال 
لنفسه :
- لا يهمُّ .. يستطيع الحصان أن يتولى الأمر بنفسه ، فهو يعرف الطريق .. 
يمكنني أثناء ذلك أن أنام قليلا قبل أن أتهيَّأ للجنازة وصلاة الميت .. 

أغلق الخرَّاط عينيه وغاص في إغفاءة .. بعدها بفترة قصيرة شعر بأنَّ الحصان قد توقَّف عن السير.. فتح عينيه فرأى أمامه شيئًا معتمًا يشبه كوخًا أو كومة من القشّ . أراد أن ينهض ليكتشف ذلك الشيء ، لكنَّه أحسَّ بأنه عاجز تمامًا عن الحركة ، و وجد نفسه دون ضجَّة أو مقاومة يستسلم لنومٍ هادئ عميق .

عندما استيقظ ، وجد نفسه في غرفة فسيحة ، مطليَّة الجدران ، وضوء الشمس يتوهَّج عند الشَّبابيك. ورأى أناسًا حوله ، فكان شعوره الأول أن يعطي الانطباع بأنه سيِّد محترم ويعرف كيف يلتزم بالسلوك السَّليم الذي يفرضه الموقف. قال مخاطبًا إياهم : 

- الصلاة على روح زوجتي أيها الإخوة . لابدَّ من إعلام القس بذلك...
قاطعه أحدهم بصوت حازم :
- حسنًا ، حسنًا ، ولكن لا تتحرك .
صرخ الخرَّاط مندهشًا وهو يرى الطبيب أمامه :
- بافل إيفانيتش ! وليّ نعمتنا المبجَّل .
أراد أن يقفز ليركع على ركبتيه أمام الطبيب ، لكنه شعر بأن ساقيه وذراعيه لا تستجيبان له . صاح مرعوبًا : 
- أين ساقيَّ ؟ وأين ذراعيَّ يا سيدي ؟
- قل لهما وداعًا.. كانت متجمدة تماما فاضطررنا إلى بترها.. هيّا .. هيّا ..
علام تبكي ؟ لقد عشت حياتك ، واشكر ربك على ذلك . أنت الآن في الستين على ما أعتقد ، وأظنُّ أن هذا يكفي بالنسبة لك .
- أنا حزين ، حزين جدًّا ... وأرجو أن تسامحني يا سيدي . 
كم أتمنى لو أعيش خمس أو ست سنوات أخرى .

- لماذا ؟ 
- الحصان ليس لي ، ويجب أن أعيده لأصحابه .. ويجب أن أدفن زوجتي ... 
أوه يا إلهي ..كم تنتهي الأشياء بسرعة مذهلة في هذا العالم . 
سيدي بافل ايفانيتش ، سأصنع لك علبة سجائر من أجود أنواع الخشب ، وكذلك كرات للكروكيت ... 

غادر الطبيب الجناح وهو يلوِّح بيده .. كان كلُّ شيءٍ قد انتهى بالنسبة للخرَّاط .
أنطون بافلوفيتش تشيكوف
ترجمة : رافع الصفار ( بتصرف )

قراءة في قصة الألم لأنطون تشيكوف
يحكي لنا تشيكوف قصة رجل بارع في الخراطة ،يعود ذات مساء إلى بيته فيجد نظرة زوجته متغيرة عليه، يعرف أنها مريضة فيحملها على زلاجة بعد أن استعار حصاناً ليأخذها إلى الطبيب في جو شتائي عاصف، و طوال الطريق يظل يعتذر لها و يُبدي أسفه لأنه كان سكيرا و يضربها دائما ، و يُبدي قلقه من الطبيب و يصطنع حواراً مع الطبيب ليقنعه بمعالجة زوجته مقابل أن يصنع له علب سجائر بالمجان أو كرات للكروكيت. ثم يكتشف أن زوجته ماتت، فيعود بالحصان و في طريق العودة يفقد عنان الحصان فيقول لنفسه بأن الحصان سيعرف الطريق فينام ليصحو أخيرا في غرفة مشمسة مليئة بالناس فيخبرهم بأن زوجته ماتت لكن الطبيب ينصحه بعدم الحركة ليكتشف الرجل أن ساقاه و ذراعاهُ قد بُتروا نتيجة لتجمدهما.. لا يأبه الرجل بذلك و يقول أن الحصان مستأجر و أنه على استعداد ليصنع للطبيب علب سجائر خشبية أو كرات للكروكيت..
في هذه القصة تحالف المرض و الفقر و العاصفة  في إيقاع أقسى الألم على روحين اثنين ، الزوجة التي عانت الفقر المدقع مع زوجها السكير طوال الوقت و الذي كان يضربها حتى ذهب عنها ماء الحياة ، و الزوج الذي لم يمهله الموت ليعتذر من زوجته و يبين لها حبهُ لها و أسفهُ عليها.. ثم تظهر براعة تشيكوف في رسم هذه المأساة بلون أسود كحزن ليل طويل عندما يجعل الزوج يتعرض لبتر ساقيه و ذراعيه فكأنه هنا يحلّ عليه عقوبة أفعاله فيفقد القوة و الاستقلالية و مجابهة الحياة .. ليغدو عاجزا عن أبسط مقومات الحياة و ليس له سوى لسان يتحدث فقط ... الزوجة المريضة قد تكون رمزاً لأحلام طويلة جاهد الإنسان لتحقيقها رغم عيوبه و نقصه ، و عندما طال الطريق ماتت الأحلام بعاصفة الهزيمة و الضعف فتحطمت رغم محاولة السعي لإنقاذها من مصيرها المأساوي..و بعد أن تموت الأحلام و نترك للأيام عنان الأمور و زمامها تأخذنا في طريق موحش تستأسد فيه الخيبات و الهزائم فتشل حركة الإنسان و تُلقي به حطاماً على قارعة الحياة.. فلا يبقى غير الألم و المأساة تسود الصفحات لما تبقى من عمر مكسور و ضائع...
أبدع تشيكوف في قصته هذه و هي عبرة لمن يعتبر. 

الجمعة، 22 مارس 2013

أشواك و أشواق

أشواك و أشواق....

مذ فارقته لم تغب صورته عن خاطري، ولم يقبل القلب طردهُ رغم جرحه العميق، جرح كبرياء، وجرح كرامة… وجرح عقاب على ذنب لم أقترفه.
سيدي الذي كان زوجي، الذي كان زهرة أيامي وضحكة عمري، سيدي الذي باعني بلا ثمن، وغادر منيّ إلى غير رجعة.
وأنا الآن طليقته، طليقته التي مازالت تكتب له الرسائل وتبعثها مع أنفاس كل فجر إلى روحه المتحجرة، طليقته التي تفزع من فراشها كل ضحى وتتسلل إلى النافذة لتراه وتملأ العين منه.. ثم تبصق في وجه الساعة التي أيقظتها.. طليقته التي تتعمد أن ترفع صوت المسجل وتركض به عند الباب ليسمع معها أغنية فيروز (بكتب اسمك يا حبيبي على الحور العتيق وتكتب اسمي يا حبيبي ع رمل الطريق… وبكره بتشتي الدني ع القصص المجرحه.. بيبقى اسمك يا حبيبي واسمي بينمحى….).
إنه سيدي الذي قيدني بحبه، ثم أطلقني للضياع، سيدي الذي باع حبه من أجل امرأة أخرى تنجب له الولد الذي يحمل اسمه.
بالصدفة شاهدته اليوم في السوق، لم يفقد وسامته ولم تتبعثر أناقته، بل غاضت من وجهه ابتسامته وهو يحمل صغيرته على كتفه ويسير خلف (المدام) محمّلاً بأكياس المشتريات..
رأيته وتذكرتُ الجيرة التي جمعتنا صغاراً، والمنزل الذي كان يجمعنا كباراً، تذكرته عندما كنّا نتسوق سويّا كيف كان يمسك يدي بيمينه، ويحمل الأكياس التي نقسمها بيننا بالتساوي بيده الأخرى، وابتسامته تملأ الكون حولنا عطراً وفرحاً.. تذكرتُ تعليقاته اللاذعة على بعض مشترياتي، تذكرتُ ذوقه الرائع في انتقاء الفساتين التي تناسبني.. كان مفتوناً باللون الأخضر حتى حببهُ إلى قلبي.. كان ذوّاقاً لكل جميل، كانت لمساته الحلوة تزهر بين ثنايا حياتنا فتنثر البهجة.
وكان مرهف الشعور فكيف عليّ قسا؟ وكان عاشقاً فكيف جفا؟ وكيف عن قلبي المحب غفا؟؟!!
اقتربتُ منه وسلّمتُ على زوجته، سألتها عن الحال والأحوال، فأجابتني وهي تصد وجهها عني بأنها ستكون بألف خير إذا انتقلت مع زوجها لبيتهما الجديد.. ولم أنتظر منها أن تكمل كلماتها، بل توجهتُ نحوه وقلتُ: مبارك لك هذه الصغيرة، كم أسعدني أنك سميت ابنتك بالاسم الذي كنّا نحلم به سويّا عندما كان لنا بيت.. تقطّعت الحروف على لساني وانحبس صوتي بغصة خنقتني عندما رأيت العَبرة في عينه تكاد أن تسقط..
ركضت خارج السوق.. تركتُه كله، وعدتُ للبيت وعادت جراحي طريّة خضراء وبهتت معالم الدنيا في عيني.. بكيتُ كما لم أبكِ من قبل، بكيتُ جراحي وأحزاني وعمري وذكرياتي، بكيته وبكيتُ لحاله ولحزنه ولتعاسته.. ولم أكد أفيق من حزني حتى ثارت من أعماقي براكين الأسى لحالي ومآل أمري، ففزعتُ إلى ربي أنطرح بين يديه أدعوه فسكن حزني وهدأت براكين روحي فأشرق فجري، ومعي قرارٌ أكيد أن أمحو وجهه من تفاصيل ساعاتي، وأن أتوقف عند هذه اللحظة، وأبدأ عمراً جديداً بلا ذكريات عنه، لم أعد أطيق صوت فيروز، ولم تنتفض روحي عند كل ضحى.. ولم أعد أتتبع أخباره.. لقد قررتُ أن أبيعه كما باعني بأرخص من التراب.. وهكذا كان.

نُشرت في صحيفة الشرق
http://www.alsharq.net.sa/2012/10/19/542841

الخميس، 7 مارس 2013

قبر ينتظر


قبر ينتظر...

من المنفى إلى المنفى ..
 حروفي صمتها أشجى من الأحزان و الذكرى..
 و أحزاني تبعثرها كما الأمواج..
 تغادر شطّها و تعود ..
 لا مرسى سوى المنفى...
 أغادرُ دون أمتعتي..
سوى حرفي يلملم جرحهُ و يعود مكسوراً كما قلمي..
إلى المنفى..
و بعضي ينثني و يغوص و ينهرني على ضعفي..
 من المنفى تسير قوافل الأحزان..
و تحملُ فوقها نعشي..
 و يُنشِدُ حرفي المجروح..
أماناً يا ترابَ الأرض، فها نحن إليكَ نعود..
 و لا نخشى من المنفى.. 
كما الأمواج تغادر شطّها و تعود ..
 لا مرسى سوى المنفى..
 و فيه تموت..

الأحد، 3 فبراير 2013

قراءة في قصيدة أحمد شوقي(به سحر يتيمهُ)


بِهِ سِحرٌ يُتَيِّمُهُ 
                  
كِلا جَفنَيكَ يَعلَمُهُ
هُما كادا لِمُهجَتِهِ 
                  
وَمِنكَ الكَيدُ مُعظَمُهُ
تُعَذِّبُهُ بِسِحرِهِما 
                  
وَتوجِدُهُ وَتُعدِمُهُ
فَلا هاروتَ رَقَّ لَهُ 
                  
وَلا ماروتَ يَرحَمُهُ
وَتَظلِمُهُ فَلا يَشكو 
                  
إِلى مَن لَيسَ يَظلِمُهُ
أَسَرَّ فَماتَ كُتماناً 
                  
وَباحَ فخانَهُ فَمُهُ
فَوَيحَ المُدنَفِ المَع 
                  
مودِ حَتّى البَثُّ يُحرَمُهُ
طَويلُ اللَيلِ تَرحَمُهُ 
                  
هَواتِفُهُ وَأَنجُمُهُ
إِذا جَدَّ الغَرامُ بِهِ 
                  
جَرى في دَمعِهِ دَمُهُ
يَكادُ لِطولِ صُحبَتِهِ 
                  
يُعادي السُقمَ يُسقِمُهُ
ثَنى الأَعناقَ عُوَّدُهُ 
                  
وَأَلقى العُذرَ لُوَّمُهُ
قَضى عِشقاً سِوى رَمَقٍ 
                  
إِلَيكَ غَدا يُقَدِّمُهُ
عَسى إِن قيلَ ماتَ هَوىً 
                  
تَقولُ اللَهُ يَرحَمُهُ
فَتَحيا في مَراقِدِها 
                  
بِلَفظٍ مِنكَ أَعظُمُهُ
بِروحِيَ البانُ يَومَ رَنا 
                  
عَنِ المَقدورِ أَعصَمُهُ
وَيَومَ طُعِنتُ مِن غُصنٍ 
                  
مُعَلِّمُهُ مُنَعِّمُهُ
قَضاءُ اللَهِ نَظرَتُهُ 
                  
وَلُطفُ اللَهِ مَبسِمُهُ
رَمى فَاِستَهدَفَت كَبِدي 
                  
بِيَ الرامي وَأَسهُمَهُ
لَهُ مِن أَضلُعي قاعٌ 
                  
وَمِن عَجَبٍ يُسَلِّمُهُ
وَمِن قَلبي وَحَبَّتِهِ 
                  
كِناسٌ باتَ يَهدِمُهُ
غَزالٌ في يَدَيهِ التي 
                  
هُ بَينَ الغيدِ يَقسِمُهُ

بسم الله الرحمن الرحيم

قصيدة رائعة من روائع أحمد شوقي في الغزل على مجزوء الوافر، سأتناولها بالشرح و التحليل و النقد فهيا بنا في رحلة ممتعة مع قصيدة أمير الشعراء

يبدأ الشاعر نصه بقوله(به سحر يتيّمُهُ ، كلا جفنيك يعلمه)يتحدث الشاعر عن محبوبه فيصفه بأنه ساحر جميل فاتن يُتيّم العشاق و يأخذ بالألباب، و سر جماله في عينه و طرفه..و بدأ الشاعر بالجار و المجرور ليبين أن في محبوبه وحده صفات الجمال و الفتنة، ثم أن هذا المحبوب يُدرك ما يفعله في القلوب من سحر و تأثير!..و قوله: (هما كادا لمهجته، و منك الكيد معظمه)و هنا يقول بأن المحبوب كاد للعاشق الولهان و أوقعه في حبائله، و الشاعر بعد أن خصص العين بالكيد عاد إلى التعميم فقال:(منك الكيد معظمه) فالمحبوب كله فتنة.. و شبه إيقاع المحبوب للعاشق في حبال الحب بالكيد و تشبيهه رائع و مناسب لأن الكيد يحتاج إلى جهد و إعمال فكر و المحبوب لم يتوقف لحظة عن رسم طريق لسحر المحب ابتداء من سحر العيون و انتهاء بالكيد كله الذي اعترف به العاشق أو شاعرنا المتيّم.. ثم قال: (تعذبه بسحرهما،فتوجده و تُعدمُهُ) شاعرنا العاشق يواصل وصف ما فعله المحبوب فيه و يواصل وصف عيني المحبوب التي تعذب شاعرنا بجمالها الساحر ، فكأنها تبعث شاعرنا من العدم فتوجده أو تعدمه و لا تترك له أثر.. ثم قال: ( فلا هاروت رقّ له، و لا ماروت يرحمهُ) وهذا السحر الذي فعله المحبوب لا شفاء له فقد استنجد بهاروت و ماروت و هما ملكان يعلمان الناس السحر، فهاروت لم يرقّ للمحب المعذب و ماروت لم يرحمه فكأن هذا السحر لا فكاك منه حتى لو استعان العاشق بهاروت و ماروت، و في ذكر الشاعر لهاروت و ماروت و سحرهما استفادة واضحة من القرآن الكريم ،و في ذكرهما أيضاً كناية عن عظيم وجده و شدة مصابه من سحر هذا المحبوب أو المعشوق. ثم قال: ( و تظلمه فلا يشكو ، إلى من ليس يظلمه)هذا المحبوب الساحر كان في حبه ظالم لعاشقه الذي هو شاعرنا و يخبرنا عن نفسه أنه تحمّل الظلم و الألم و لم يشكو لأحد ، و في قوله (إلى من ليس يظلمه) تعريض بالمحبوب الذي يسحر و يظلم و لا يرقّ لحال عاشقه المتيّم الذي لا يشكو إلى أحد ممن يرحمه و يخفف عنه مصابه. ثم قال: ( أسرّ فمات كتماناً ، و باح فخانهُ فمهُ/ فويح المدنف المعمود ، حتى البثّ يحرمهُ) هذا العاشق صان حبّه و خبأهُ في حنايا صدره و ما يعانيه من لظى الحب كان كالموت الذي حلّ به فلا يستطيع له دفعاً، و عندما أراد أن يبوح بسره و حبه خانهُ فمه فلم يطق التعبير الصحيح عن عذابه و هنا يرسم الشاعر صورة العاشق الولهان في حال كتمانه و حال بوحه بسره و في كلا الحالين لم يذق شاعرنا العاشق طعم الراحة لذلك قال: (فويح المدنف المعمود، حتى البثّ يحرمه) و في تعبيره بالبث إجاده من شاعرنا فهو مصاب بالعشق و الحب و بثّ ألمه و شكواه أمر متعذّر عليه فكأن الويل كل الويل لهذا العاشق الذي مات كتمانا و خانه فمه عندما أراد البوح فهو محروم عاجز في أمر ذاته، و تعبير الشاعر ب( ويح )تناسب في المقام و المقال ، و تعبيره ب(المدنف المعمود) أيضا تناسب مع ما سبق من تعبير بالسحر ..ثم قال: ( طويل الليل ترحمه، هواتفه و أنجمه/إذا جدّ الغرام به، جرى في دمعه دمه) و الشاعر هنا كأنه يستعطف المحبوب فيقول: طويل الليل ترحمهُ هواتفهُ و أنجمهُ .. فمن طال ليله بالهمّ و العذاب لا يكون من النجوم و الهواتف إلا أن ترحمه و المقصود بهواتف الليل أصوات تُسمع و لا يُرى صاحبها ، فهواتف الليل و نجومه ترحم كل من طال ليله و كأن الشاعر يتساءل عن الرحمة لِمَ لا تكون من محبوبه؟ ثم قال: إذا جدّ الغرام به ،جرى في دمعه دمه ، فالغرام و الحب إذا استبد بالعاشق أضناه حتى بكى دماً بدلا عن الدموع . ثم قال: (يكاد لطول صحبته، يعادي السقم يُسقمه) فالعاشق أو شاعرنا يكاد أو أنه أصابه السّقم و أشتد مرضه لشدة حبه لمحبوبه الذي لا يرحم ، و في التعبير ب( يكاد) ذكاء من الشاعر فهي بمعنى أن الداء و السقم أصاب العاشق الولهان و التعبير بكاد تحمل معنى التأكيد الذي لا شك فيه.. ثم قال: (ثنى الأعناق عوّدهُ، و ألقى العذر لُوّمهُ) و هنا يتأكد معنى (كاد) بأن الداء أو الحب القاتل استشرى في الشاعر الولهان  فقال بأن من يعود هذا المتيّم و يزوره قد أطال المكث و كأنه ( ثنى الأعناق) و كذالك ألقى من يلومهُ في حبه له العذر و لم يعتب عليه، و في تعبيره ب( ثنى الأعناق) كناية عن إطالة الزيارة لهذا العاشق المريض.. ثم قال: ( قضى عشقا سوى رمقٍ، إليكَ غدا يقدّمهُ / عسى إن قيل مات هوىً،تقول الله يرحمه/ فتحيا في مراقدها، بلفظٍ منك أعظمه)و هنا باح الشاعر بمكنون ذاته و أجاد في تصوير ألمه و عذابه فقال: (قضى عشقاً ) فكأن الحب قضى عليه، ألم يمُتْ كتماناً؟! و لم يبق إلا الرمق القليل من الحياة ، و هنا أجاد الشاعر عندما قال: (إليك غدا يُقدّمهُ) فها هو على فراش العشق لم يبق له إلا الرمق اليسير من الحياة فيقدّمه لمحبوبه و كل ذلك من أجل أن يسأل له المحبوب الرحمة ، فإذا سأل له الرحمة فربما تحيا في مراقدها عظام هذا العاشق الذي قتله الحب و العشق، و هذان البيتان لُب القصيدة و واسطة العقد و قد أحسن فيهما الشاعر أيما إحسان! ثم قال: ( بروحي البان يوم رنا، عن المقدور أعصمه) و هنا يعود إلى وصف محبوبه مرة أخرى فيقول ( بروحي) فروحهُ تعاني ، و يوم نظر المحبوب إلى العاشق الشاعر كأن الشاعر يعصمه مما قد يصيبه من أذى . ثم قال: ( و يوم طُعِنتُ من غصنٍ، معلّمهُ منعّمهُ / قضاء الله نظرتهُ، و لُطفُ الله مبسمهُ ) و هنا يشتكي الشاعر العاشق ما أصابه من هذا المحبوب فيصفه بالغصن كناية عن الرشاقة فقال منعّمه و معلّمه فلم يرعَ العشرة و لم يحفظ للمعلم حقهُ بل أصاب معلّمه و هو شاعرنا العاشق في مقتل ، و يصفه أيضاً بأن نظرة هذا المحبوب كقضاء الله الذي لا مردّ له عندما يحين و لطفُ الله و رحمتهُ هي ذاتها ابتسامة  هذا المعشوق.. ثم قال: ( رمى فاستهدفت كبدي، بيَ الرامي وأسهمهُ/له من أضلعي قاعٌ، و من عجبٍ يُسلّمهُ/ و من قلبي و حبتهِ،كِناسٌ بات يهدمهُ/غزالٌ في يديه التيه، بين الغيد يقسمهُ)و هنا يواصل شاعرنا العاشق وصف محبوبه الذي سحرهُ و سباهُ فيقول بأنهُ رمى كبد عاشقهِ و التعبير بالكبد كناية عن أنه أصابهُ في مقتل، ثم نجدهُ يفتدى محبوبه بنفسه فيقول: ( بي الرامي و أسهمهُ) ثم برّر هذا الفداء له فقال بأن لهذا المحبوب قاع و بيت و مكانة في قلبه ,و يعجب لِمَ يتركُ هذا المحبوب ما يقدّمه له عاشقهُ من حب؟!  ثم أكد وجود هذه المكانة العظيمة التي يحتلها محبوبه من قلبه و قال: ( و من قلبي و حبّته، كناس بات يهدمهُ) أي لا يُبالي بما يقدّمه له عاشقهُ من حب ، ثم أخبرنا عن هذا المحبوب بأنه ( غزال) و هنا نستحضر كل ما للغزال من صفات الرشاقة و الجمال و السرعة ، و يصف محبوبه بأنه ( غزال في يديه التيه بين الغيد يقسمه) فلهذا الغزال تيه و دلال يقسّمه لكثرته بين الغيد و الجميلات.

البناء الفني للنص:

نص شعري سامق كعادة شعر أمير الشعراء، ينساب بعذوبة و رقة، و يتفيأ في ظلاله بصور شعرية مميزة، زادت النص جاذبية و روعة.
تتسلسل الأفكار بسلاسة و وضوح من خلال تراكيب لغوية تحمل المعنى على أكمل وجه و توضحهُ في صورة جميلة.
الألفاظ سهلة و واضحة و تتناسب مع موضوع النص و لا تخرج عنه.
و بحر القصيدة كان مناسبا لموضوعها و كذلك القافية التي أتت طائعة و مناسبة تماما.
أجاد الشاعر في نصه. و أمتعنا معه بنص غزلي راقٍ و جميل.

هذا و الله أعلم.

السبت، 2 فبراير 2013

هل أحتفل به؟!


هل أحتفل به ؟!

علّمتني الصمت عندما رحلتْ .. و علّمتها المواجع عندما كنتُ بحضرتها ...
اليوم له نفس الرائحة التي سكَنتْ حواسي منذ طفولةٍ ضائعة .. أمي و المطر و شلال حزن يمزق سنين العمر حتى آخر الخُطى ...
المطر الآن يطرق سمع المكان الآهل بالعطش .. أودية قريتي ممزقة الأحشاء ترفع أكفّ الضراعة إلى مُنزل الغيث .. و أشجار الرمان تلتحف العراء و تتشبث بالأرض من ريح لا ترحم .. أما الجبال السود و الحمر فلا ملامح لها غير القسوة و جبروت القوة ... اليوم ، قَدِمت الريحُ بالغمام حتى غطى عين الشمس ( كما يقولون ) ، و الجميع تركوا منازلهم و خرجوا لاستقبال المطر كلٌ على طريقته ، عجباً لهم ! هؤلاء سكان القرية الذابلة غادروها منذ أمدٍ طويل ، و لكن القلوب تحنّ إلى الألم في ساعات الصفو .. وحدي لم أغادر المكان ، بقيتُ مع عجائز القرية أحتسي مرارة القهوة صباحَ مساءَ و أحفر في الذاكرة ذكرى لا تموت ...
من نافذة الغرفة بدأتُ أُراقبُ احتفالهم بالمطر ، بعضهم يرفع رأسه إلى السماء ليعطر أنفاسه و وجهه بالمطر ، و بعضهم يرفع رأسه و يفتح فمه ليرتوي من السحاب مباشرة ، أما الأطفال فدخلوا تحت المزاريب ليغتسلوا بالمطر و تراب الأسطح صار صابوناً طبيعياً ... 
كم من السنين مرّت على ذلك اليوم ، أمي تصارع المطر و المرض في منزلٍ تعلو جدرانه السماء ، و الليل و الألم تضافرا في تحطيم امرأة كالنخيل لا ترضى إلا بالشموخ ، و التهكم على ريحٍ خائبة حاولت كسره ،، لكنها كُسِرَتْ !
لا أحد من هؤلاء المحتفلين كان هنا ليُقِيمَ مهرجاناً كهذا ، فرّوا إلى مدنٍ تخطف الأبصار ليبحثوا عن المال و السعادة ، تُرى ما الذي دهاهم اليوم ؟! 
أمي خرجت من بقايا منزلنا في اليوم التالي ، و في ساعة الأصيل كهذه الساعة ..
كانت الأرض قد ارتوت من الماء ، و السماء ما زال لديها فيض من الدموع تنثره على أرضٍ طينية ، و الرعد يُخيف في كفي دميتي المُتعبة ..
كان المطر يمزقها و هي تنزلق أمامي في ممر صغير صنعه المطر بالقرب من منزلنا ، كانت تنزلق إلى الأسفل حيث الصخور الناتئة و أكوام من الطوب و الحديد التي عفى عليها الزمن .. كادتْ أن تنجو لولا أنها أخطأتْ و تشبثت بصخرةٍ لا تقوى على حملها لتزلق هي الأخرى على أمي ..
لم يحفل بموتها أحد ، كوردة ذابلة بعد أن قُطِفَتْ أُلقِيَتْ فوق شارع تلوكه الأقدام لتموت أكثر و أكثر ..
ما زالت السماء تُمطر و الناس تحتفل .. و ما زِلتُ حتى الآن أفكر .. هذا المطر الذي أسكن أمي في جوف الأرض و أعطى الحياة لغيرها .. هل أحتفل به ؟!!

نُشرتْ في المجلة العربية و منتدى أوفاز الأدبي:)

الخميس، 24 يناير 2013

هزيمة.. خاطرة قصيرة و بسيطة


هزيمة!

في انحناءات الدروب ألف أفعى تتلوى، تتوارى بين أنياب الصخور.. لا تُبالي 

بارتجاف العابرين.. ألف أفعى ترتدي شتى الملابس دون خوفٍ أو حياء.. إنها الأفعى، 

و هل تهوى الأفاعي غير امتصاص الدم من كل الجوارح و القلوب...


في انحناءات الدروب..ألف سوق و دور و ميناء و عين..ألف نصل و سهم و أذن..

و شيء لا يُرى يختفي كالأفاعي بين انحناءات الدروب.. و الأفاعي لا تهاب 

العابرين!!


أيها العابر بين انحناءات الدروب .. لا تُقاتِلْ و تُحاربْ .. لا تُقاومْ.. فالفناء اليوم 

عنوان الدروب.. اِجهلْ الأرض و عبير الأزمنة.. و ارتحلْ .. دون قلبٍ أو مشاعر..

 فالدروب لا تُقيمُ اليومَ وزناً للقلوبْ...


أيها العابر دون دمعٍ أنبت الزهر على أرض الوطن.. اِرتحلْ.. فالهزيمة داء كل

 التعساء البائسين.. اِرتحلْ مثل كل الراحلين.. فالأفاعي ، كم تحب الراحلين...


في انحناءات الدروب، ألف معنى سذجٍ أو معنى عميق.. أيها الراحل.. لا تُبالي 

بانحناءات الطريق...

انتهت:)